شرح تقني
لماذا تفوقت المادة على المادة المضادة في الكون؟
كان يفترض أن يخلق الانفجار العظيم كميات متساوية من المادة والمادة المضادة، فتفني إحداهما الأخرى بالكامل. لكن المادة تغلبت، وما يزال الفيزيائيون يجهلون السبب الكامل حتى اليوم.
لكل جسيم من جسيمات المادة العادية توأم معاكس يُعرف بالجسيم المضاد، يماثله في الكتلة لكنه يخالفه في الشحنة الكهربائية وبعض الخصائص الأخرى. فللإلكترون جسيم مضاد يُسمى البوزيترون، وللبروتون جسيم مضاد يُسمى البروتون المضاد. وحين يلتقي جسيم بجسيمه المضاد، يفنى الاثنان معاً وتتحول كتلتهما إلى طاقة، في عملية تُعرف بالإفناء المتبادل.
هذه الحقيقة تفتح لغزاً حقيقياً. كان من المفترض أن ينتج الانفجار العظيم كميات متساوية تماماً من المادة والمادة المضادة، لأن العمليات الفيزيائية التي تخلق الجسيمات تخلق نظائرها المضادة أيضاً بحسب الفهم الحالي. ولو حدث ذلك بصورة كاملة، لأفنت المادة والمادة المضادة بعضهما بعضاً في اللحظات الأولى من عمر الكون، ولم يتبق سوى إشعاع خافت من دون أي مادة، أي بلا نجوم ولا كواكب ولا بشر.
لكن المادة تغلبت بوضوح. فكل مجرة ونجم وكوكب رصده الفلكيون حتى الآن مكوّن من مادة عادية لا من مادة مضادة. ولا بد أن شيئاً ما، في جزء من الثانية الأول بعد الانفجار العظيم، رجّح كفة المادة بفارق ضئيل، ربما جسيم واحد إضافي مقابل كل مليار زوج من المادة والمادة المضادة، وهو الفائض الذي نجا من الفناء وبنى كل ما هو مرئي اليوم.
ما الذي يرجحه الفيزيائيون تفسيراً لذلك؟
يتصدر قائمة المشتبه بهم اختلاف طفيف في سلوك المادة والمادة المضادة أمام بعض القوانين الفيزيائية، يُعرف بانتهاك تناظر الشحنة والزوجية (CP Violation). ففي عام 1964، اكتشف فيزيائيون أن بعض تحللات الجسيمات تحدث بمعدلات مختلفة قليلاً بين المادة والمادة المضادة، ما كسر تناظراً كان يُظن ثابتاً. وأكدت تجارب لاحقة، من بينها تجارب في مصادم الهادرونات الكبير التابع لسيرن، وجود هذا الانتهاك في عدة أنواع من الجسيمات.
لكن المشكلة تكمن في الحجم. فمقدار انتهاك تناظر CP المؤكد حتى الآن في الجسيمات المعروفة أصغر بكثير من أن يفسر الفائض الفعلي للمادة الذي نلاحظه. لذا يرجح الفيزيائيون وجود مصدر آخر لم يُكتشف بعد لهذا الانتهاك، ربما يتصل بالنيوترينوات، أو فيزياء جديدة كلياً تتجاوز النموذج المعياري الحالي لفيزياء الجسيمات.
وفهم ما يحمل الخصائص الأساسية للجسيمات ويحافظ عليها، مثل العدد الباريوني الذي يميز المادة عن المادة المضادة، جزء من هذا البحث الأوسع. فكل تجربة تفحص كيف تنتقل هذه الخصائص وتبقى داخل المادة العادية تضيف نقطة بيانات جديدة إلى لغز يظل من أكثر الأسئلة العالقة جوهرية في الفيزياء.
لماذا ما يزال هذا السؤال مهماً؟
هذا ليس فضولاً نظرياً بحتاً. فاختلال التوازن بين المادة والمادة المضادة هو السبب في وجود الذرات والكيمياء والحياة أصلاً. وحل هذا اللغز لن يغير شيئاً في الحياة اليومية، لكنه سيجيب عن واحد من أقدم الأسئلة وأكثرها جوهرية التي يمكن لأي إنسان أن يطرحها عن الكون: لماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟
ظهر أول مرة في
لماذا لا يتحلل البروتون؟ تجربة أميركية تقترب من الإجابة