سرعة الاحترار لا حجمه تقرر مصير تيار الأطلسي
درجتان مئويتان كفتا لانهيار الدوران الأطلسي الانقلابي الكبير في محاكاة مناخية حديثة، لكن الانهيار لم يقع أصلاً حين ارتفعت الحرارة ببطء حتى تجاوزت 5 درجات. الخلاصة: لا يوجد حد حراري ثابت لهذا الانهيار، بل سرعة التغير هي ما يحدد المصير.
كم درجة احترار يحتاجها الكوكب لإيقاف التيار المحيطي الذي يبقي مناخ غرب أوروبا معتدلاً؟ هذا سؤال يتجادل حوله علماء المناخ منذ سنوات. ودراسة جديدة من جامعة أوترخت، نُشرت في 13 أغسطس بمجلة Nature Climate Change، تقول إن طرح السؤال بهذه الصيغة كان خاطئاً من الأساس. ففي محاكاة حاسوبية للمناخ، انهار التيار نفسه عند درجتين مئويتين فقط حين ارتفع ثاني أكسيد الكربون بسرعة، بينما ظل قوياً حتى تجاوز خمس درجات حين ارتفع ببطء. لم تكن درجة الحرارة هي ما يحدد المصير، بل سرعة الوصول إليها.
الخلاصة في 30 ثانية
- ماذا حدث؟ شغّل باحثون نموذجاً مناخياً مرتين، بنفس المستوى النهائي لثاني أكسيد الكربون لكن بسرعتين مختلفتين: ارتفاع بطيء بمقدار 0.5 جزء في المليون سنوياً، وآخر سريع بمقدار 2.5 جزء يقارب وتيرة اليوم. انهار الدوران الأطلسي الانقلابي الكبير في حالة الاحترار السريع فقط.
- لماذا يهم؟ يحمل هذا الدوران الحرارة نحو الشمال، وهو ما يبقي شتاء غرب أوروبا معتدلاً. ركّزت نقاشات السياسات المناخية طويلاً على سقف أقصى لدرجة الحرارة، لكن هذه النتيجة تقول إن سرعة خفض الانبعاثات لا تقل أهمية عن ذلك السقف.
- ما الذي لم يُثبت؟ النتيجة قائمة على محاكاة نموذج واحد فقط، وبمعدلات أبطأ من مسار الانبعاثات الفعلي اليوم، لا على رصد مباشر لحالة المحيط.
الرقم الأهم
يضع النموذج الحد الحرج لسرعة الاحترار عند نحو 0.3 درجة مئوية كل عقد، وهي وتيرة يقول الباحثون إن العالم يقترب منها بالفعل.
ما الذي حدث
شغّل الباحث الرئيسي رينيه فان ويستن وزملاؤه، في معهد أوترخت لأبحاث البحار والغلاف الجوي، نموذجاً مناخياً مفصلاً مرتين. ثبّتوا المستوى النهائي لثاني أكسيد الكربون في كلتا المرتين، وغيّروا فقط سرعة الوصول إليه. في السيناريو البطيء، ظلت قوة الدوران ثابتة رغم تجاوز الحرارة العالمية خمس درجات. أما في السيناريو السريع، الأقرب لوتيرة الانبعاثات الفعلية اليوم، فانهار الدوران عند نحو درجتين فقط. التقدير الشائع لعتبة الانهيار، وهو أربع درجات، جاء أصلاً من دراسات اعتمدت غالباً سيناريوهات احترار سريعة. لذلك يرى الفريق أن هذا الرقم لم يكن يوماً خاصية ثابتة للمحيط نفسه. كان نتيجة لسرعة الدفع التي اختارتها تلك المحاكاات.
لماذا يهم
ينقل هذا الدوران مياهاً سطحية دافئة نحو الشمال، ويعيد مياهاً أعمق وأبرد وأكثر ملوحة نحو الجنوب. بذلك يعيد توزيع الحرارة حول الكوكب، ويجعل شتاء شمال غرب أوروبا أكثر اعتدالاً. تُبنى سياسات مناخية كثيرة على فكرة سقف أقصى لدرجة الحرارة. من بين هذه السياسات "مسارات التجاوز"، وهي خطط تسمح بارتفاع مؤقت فوق حد معين، أملاً في خفض الحرارة لاحقاً. تُعقّد هذه الدراسة ذلك التصور. فإذا كان استقرار المحيط يعتمد على السرعة لا على المسافة، فقد يتجنب نهج بطيء وتدريجي انهياراً كان سيقع مع نهج سريع. هذا حتى لو انتهى المساران عند النقطة النهائية ذاتها. قد يمتد هذا المنطق إلى أنظمة مناخية أخرى بطيئة التكيف. ويتقاطع أيضاً مع توقعات منفصلة بأن زيادة إنتاج النفط المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تضيف مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهو اتجاه يرفع سرعة الانبعاثات بدلاً من خفضها.
لماذا تهمّ سرعة الاحترار أكثر من ذروته؟
يفسر المؤلف المشارك هينك دايكسترا الآلية بأنها مسألة وقت. في الاحترار البطيء، يملك عمود المحيط بأكمله، من السطح حتى أعمق طبقاته، عقوداً كاملة للتكيف. يعيد خلالها تنظيم حرارته وملوحته تدريجياً بما يواكب تغير المناخ. في الاحترار السريع، لا يستطيع المحيط العميق مجاراة تغيرات السطح. تختل الموازنة بين الطبقتين، فيفقد الدوران استقراره قبل أن يتمكن من التكيف. يوضح المؤلف المشارك رايك بورنر أن الفريق اختار عمداً سيناريو بطيئاً أبطأ كثيراً من الوتيرة الفعلية اليوم. هذا الاختيار عزل أثر السرعة عن أثر درجة الحرارة النهائية.
قبل أن نبالغ في النتيجة
- النتيجة قائمة على محاكاة نموذج مناخي واحد هو النظام الأرضي المجتمعي، لا على رصد مباشر لحالة الدوران الأطلسي اليوم.
- سيناريو "الاحترار البطيء" الذي استخدمه الباحثون لإظهار الاستقرار، بمعدل 0.5 جزء في المليون سنوياً، أبطأ بوضوح من مسار الانبعاثات الفعلي اليوم.
- قد تُظهر نماذج مناخية أخرى معدلات حرجة أو عتبات مختلفة، فحساسية الدوران الأطلسي معروف أنها تتفاوت بين النماذج.
- تحاكي الدراسة مساراً افتراضياً، ولا تتنبأ بموعد انهيار حقيقي أو حتى بوقوعه أصلاً.
ما الذي يحدث تالياً
يقول فريق أوترخت إن خطوته التالية اختبار ما إذا كانت آلية الاستقرار المرتبطة بالسرعة تصمد في نماذج مناخية أخرى. يريدون أيضاً تجربة مسارات انبعاثات متغيرة أقرب للواقع، بدل السيناريوهين الثابتَي المعدل المستخدمين هنا. يصوغ فان ويستن الرسالة العملية بوصفها دعوة إلى إبطاء الوتيرة: بلوغ هدف حراري معين بسرعة أقل، حتى دون خفض الهدف نفسه، قد يقلل خطر الانهيار القريب. تخطط مسارات التجاوز أصلاً لذروة مؤقتة تعقبها عودة للتبريد. يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتعامل السياسات المبنية عليها مع سرعة الانبعاثات باعتبارها متغيراً يستحق إدارة مستقلة؟
خلاصة
عتبة "الأربع درجات" التي تتكرر كثيراً لم تكن يوماً خاصية ثابتة لدوران الأطلسي. كانت رقماً أنتجته غالباً محاكاة نماذج سريعة الدفع. تُظهر الدراسة الجديدة أن تغيير سرعة الاحترار وحدها يزيح تلك العتبة بضع درجات في أي اتجاه. يحدث هذا حتى مع تثبيت درجة الحرارة النهائية تقريباً. هذا هو الفارق الدقيق بين ما يفترضه نموذج عن الوتيرة وما يستنتجه عن درجة الحرارة. وهو بالضبط الفجوة التي تسدها هذه الدراسة.
المصادر والمراجع4 مصادر
المراجع الخارجية المستخدمة لدعم المعلومات الواردة في هذا المقال.
نشر بواسطة
مكتب نيو تقنية – تقنيات المناخ
فريق تحريري مؤسسي تابع لنيو تقنية