الأحدث الأكثر رواجاً استكشف الخطوط الزمنية التصنيفات
كل الشروحات

شرح تقني

ما هي المادة المظلمة، وكيف يبحث عنها العلماء؟

تشكل المادة المظلمة معظم كتلة الكون، ومع ذلك لم يرصدها أي جهاز مباشرة قط. إليك ما يقنع علماء الفلك بوجودها، وكيف يحاولون العثور عليها.

حين تنظر إلى سماء صافية ليلاً، فإن كل ما تراه تقريباً، من نجوم وكواكب وسدم متوهجة، مصنوع من المادة العادية: البروتونات والنيوترونات والإلكترونات. لكن عقوداً من الأدلة الفلكية تقول إن هذه المادة المألوفة أقلية. فحوالي خمسة أضعاف كتلتها موجود في شيء آخر تماماً، مادة لا تصدر ضوءاً ولا تمتصه، ولم يرصدها أي جهاز مباشرة حتى الآن. يسميها الفلكيون المادة المظلمة.

كيف عرف الفلكيون أنها موجودة؟

لم يرَ أحد المادة المظلمة مباشرة، لكن جاذبيتها تترك بصمات في كل مكان. ففي سبعينيات القرن الماضي، وجدت الفلكية فيرا روبن أن النجوم عند أطراف المجرات الحلزونية تدور بسرعة تقارب سرعة النجوم القريبة من المركز، وهو أمر مستحيل لو كانت كتلة المجرة تطابق ما تراه العين من نجوم وغاز فقط. فالنجوم الطرفية كانت لتنطلق بعيداً في الفضاء لولا وجود كمية هائلة من الكتلة غير المرئية، منتشرة داخل المجرة وحولها، تُبقيها في مداراتها بجاذبية إضافية.

وتتكرر أدلة مشابهة في أماكن أخرى. فعناقيد المجرات تحني ضوء الأجرام الأبعد الواقعة خلفها، في ظاهرة تُعرف بالعدسة الجاذبية، وتحني ضوءاً أكثر بكثير مما تفسره كتلتها المرئية. كما تُظهر خرائط إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو التوهج الخافت المتبقي من الانفجار العظيم، أنماطاً لا تتطابق إلا إذا شكلت المادة المظلمة نحو 27% من كتلة الكون وطاقته الإجمالية، مقابل نحو 5% فقط للمادة العادية. والباقي طاقة مظلمة، وهي ظاهرة منفصلة وأقل فهماً حتى من المادة المظلمة نفسها.

ما الذي على الأرجح ليست عليه المادة المظلمة، وما الذي قد تكون عليه؟

المادة المظلمة ليست مجرد مادة يصعب رؤيتها، مثل نجوم خافتة أو سحب غبار أو ثقوب سوداء. فقد استبعد الفلكيون هذا الاحتمال إلى حد كبير، لأن كمية المادة العادية المتاحة، الخافتة منها أو غيرها، لا تكفي أبداً لتفسير الجاذبية المرصودة. بدلاً من ذلك، يشتبه معظم الفيزيائيين بأن المادة المظلمة نوع جديد من الجسيمات لا يتفاعل تقريباً مع المادة العادية أو الضوء، إلا عبر الجاذبية وربما قوة أخرى شديدة الضعف.

ومن أبرز المرشحين جسيمات تُعرف بـ WIMPs، أي الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل، وجسيمات نظرية شديدة الخفة تُعرف بالأكسيونات. لم يُؤكَّد أي منهما بعد. وتقترح بعض الأفكار الأكثر جرأة أن المادة المظلمة ليست جسيماً على الإطلاق، بل تعديلاً في طريقة عمل الجاذبية نفسها على مستوى المجرات، رغم أن هذا الطرح يفسر الأدلة بصورة أقل اكتمالاً من نماذج الجسيمات.

كيف يحاول العلماء العثور عليها؟

هناك ثلاث استراتيجيات رئيسية قيد التنفيذ. تجارب الكشف المباشر، التي تُبنى غالباً في أعماق الأرض لحمايتها من الأشعة الكونية، تنتظر اصطدام جسيم من المادة المظلمة بذرة عادية لينتج إشارة دقيقة قابلة للقياس. أما تجارب الكشف غير المباشر فتبحث في الفضاء عن أثر تصادم جسيمات المادة المظلمة ببعضها، وهو ما تتوقع بعض النظريات أنه يطلق إشعاعاً يمكن رصده. وتحاول تجارب المصادمات، مثل تلك الجارية في مصادم الهادرونات الكبير، صنع جسيمات المادة المظلمة لحظياً عبر تصادم جسيمات عادية بطاقة عالية.

وثمة نهج أحدث يستخدم البنى الفلكية أدوات لرصد الجاذبية. فحركة النجوم أو الغاز أو حتى مجرات قزمة كاملة تحت تأثير الجاذبية قد تكشف كمية الكتلة غير المرئية المحيطة بها، من دون الحاجة إلى الإمساك بجسيم من المادة المظلمة أصلاً. ونجحت هذه الطريقة تقليدياً في نطاق درب التبانة وما حولها، حيث يستطيع الفلكيون دراسة البنى المعنية بالتفصيل.

لماذا يستمر هذا اللغز؟

ضيّقت عقود من التجارب دائرة ما ليست عليه المادة المظلمة، من دون أن تحدد ماهيتها فعلياً. وهذا المزيج، أدلة ساحقة على وجودها إلى جانب غياب تام لأي رصد مباشر، يجعل المادة المظلمة واحدة من أعند المسائل المفتوحة في الفيزياء الحديثة، ومسألة تلامس تقريباً كل مجرة في الكون المرصود.

ظهر أول مرة في

علماء يطورون أداة جديدة لقياس المادة المظلمة خارج مجرتنا

يتوفر إصدار جديد من نيو تقنية.