علماء يعلّمون الإنزيمات صناعة مادة أساسية للبلاستيك انطلاقاً من الميثانول
حوّلت سلسلة إنزيمات مهندسة الميثانول إلى حمض الأكريليك بنسبة تحويل معلنة بلغت 99.5% في المختبر. وقد تقدم مساراً بديلاً للصناعة البتروكيميائية، لكن فائدتها المناخية تعتمد على التوسع والطاقة ومصدر الميثانول.
يختبئ حمض الأكريليك داخل كثير من تفاصيل الحياة اليومية. فهو يدخل في الدهانات والمواد اللاصقة والطلاءات والمواد شديدة الامتصاص وعدد كبير من البوليمرات. وتنتجه الصناعة عادة عبر تفاعلات حرارية تعتمد على البروبيلين المشتق من الوقود الأحفوري. أما الدراسة الجديدة فتقترح مساراً مختلفاً: سلسلة من الإنزيمات المهندسة تبدأ بالميثانول.
ذكر الباحثون في Nature Communications بتاريخ 21 يوليو 2026 أن المنظومة المخبرية أنتجت حمض الأكريليك بتركيز 4.3 غرام لكل لتر، وبنسبة تحويل 99.5% وإنتاجية 268.9 مليغرام لكل لتر في الساعة. لا تجعل هذه الأرقام العملية جاهزة للمصانع، لكنها تثبت إمكان استخدام محفز حيوي لتنفيذ كيمياء لم تكن الطبيعة معروفة بأدائها بهذه الكفاءة.
الإنزيم الذي كان مفقوداً
تمثلت العقبة الأساسية في تفاعل ضروري لإنتاج حمض الأكريليك مباشرة من مركب وسيط يسمى Dihydroxyacetone Phosphate أو DHAP (ثنائي هيدروكسي أسيتون الفوسفات). أعاد الفريق توظيف إنزيم يعتمد على Thiamine Diphosphate أو ThDP (ثيامين ثنائي الفوسفات)، ثم استخدم High-Throughput Screening (الفحص عالي الإنتاجية) وDirected Evolution (التطور الموجّه) لتحسين أدائه.
يشبه Directed Evolution الانتخاب الطبيعي داخل المختبر. يصنع العلماء نسخاً كثيرة من الإنزيم، ويختبرونها، ثم يحتفظون بالأفضل ويكررون الدورة. وأسفرت العملية عن إنزيم أطلق عليه الفريق اسم Acrylic Acid Synthase (إنزيم تخليق حمض الأكريليك)، مع تحسن في النشاط بمقدار 13.6 مرة مقارنة بالتصميم الأولي.
بعد ذلك ربط الباحثون الإنزيم بعدة إنزيمات أخرى في سلسلة يصبح فيها ناتج كل خطوة مادة البداية للخطوة التالية. وتكمن جاذبية الإنزيمات في دقتها الانتقائية، إذ يمكنها تقليل النواتج الجانبية التي تجعل الفصل الكيميائي التقليدي أكثر صعوبة وكلفة.
لماذا يمثل الميثانول نقطة بداية جذابة؟
الميثانول جزيء صغير ومتداول على نطاق واسع، ويمكن إنتاجه من الغاز الطبيعي أو الكتلة الحيوية أو ثاني أكسيد الكربون الملتقط مع هيدروجين منخفض الانبعاثات. ومن حيث المبدأ، قد يربط المسار الحيوي الجديد صناعة حمض الأكريليك بمصادر كربون متعددة بدلاً من الاعتماد الحصري على البروبيلين التقليدي.
تكتسب هذه المرونة أهميتها لأن حمض الأكريليك مادة صناعية ضخمة الاستخدام، وليس منتجاً متخصصاً محدود الكمية. وحتى التخفيض الصغير في الطاقة أو الكربون المستخدمين لإنتاج مادة كبيرة الحجم قد يصنع أثراً تراكمياً مهماً.
كيف نقرأ نسبة 99.5%؟
تصف النسبة أداء النظام الإنزيمي في ظروف مخبرية مختارة. ولا تعني أن 99.5% من كل ميثانول يدخل مصنعاً كاملاً سيتحول إلى منتج قابل للبيع. فالعملية التجارية يجب أن تحسب إنتاج الإنزيمات وتنقيتها، واستخدام السوائل المساعدة، واستخلاص المنتج، وفترات توقف المفاعل، والتلوث، وإعادة تدوير الجزيئات المرافقة.
كما أن تركيز 4.3 غرام لكل لتر أقل كثيراً مما تسعى إليه عمليات عديدة للمواد الكيميائية الضخمة كي يصبح الفصل اقتصادياً. وقد يثبط حمض الأكريليك المكونات الحيوية، بينما تفقد الإنزيمات نشاطها مع الزمن. لذلك يحتاج الفريق إلى إثبات تشغيل أطول، وتركيز أعلى، وإعادة استخدام مستقرة، وتكلفة إجمالية منافسة.
المسار ليس أخضر تلقائياً
يُنتج جزء كبير من الميثانول حالياً من الغاز الطبيعي أو الفحم. وإذا بقيت المادة الأولية والطاقة كثيفتين كربونياً، فلن يؤدي استبدال محفز تقليدي بإنزيمات وحده إلى مادة منخفضة الانبعاثات. ويتطلب الحكم البيئي الصحيح Life-Cycle Assessment أو LCA (تقييماً كاملاً لدورة الحياة) يشمل مصدر الميثانول والكهرباء والهيدروجين وصناعة الإنزيمات ومرحلة التنقية.
وهناك تفصيل آخر: المسار الحالي سلسلة إنزيمات تعمل أساساً خارج خلية حية. يمنح ذلك تحكماً أفضل ويتجاوز بعض قيود الميكروبات، لكن الإنزيمات المنقاة قد تكون مكلفة. وقد يصبح تثبيتها وإعادة استخدامها، أو نقل أجزاء من المسار إلى ميكروبات مهندسة، ضرورياً للتوسع.
خيار جديد للتصنيع الحيوي
لا تكمن النتيجة الأهم في إمكان تغيير مصانع حمض الأكريليك غداً، بل في ابتكار إنزيم لتفاعل كان يمثل عنق زجاجة، ثم دمجه ضمن طريق يحول مادة أولية من ذرة كربون واحدة إلى مادة صناعية من ثلاث ذرات كربون.
إذا تحسنت الإنتاجية والعمر التشغيلي والتركيز، فقد يصبح هذا النهج أداة جديدة للتصنيع الحيوي. وستظل الصناعة بحاجة إلى المفاعلات والطاقة ومعدات الفصل، لكن جزءاً أكبر من بناء الجزيئات قد تنفذه محفزات حيوية قابلة للبرمجة.
الأدق أن ننظر إلى التجربة كمسار واعد، لا بديلاً أخضر جاهزاً. وسيحدد مستقبلها ما إذا كانت الكيمياء الأنيقة قادرة على اجتياز الحسابات القاسية للإنتاج الصناعي.
المصادر والمراجع
نشر بواسطة
NewTqnia Editorial
فريق التقنية والابتكار