الذكاء الاصطناعي قرأ 170 ألف عظمة طائر، واكتشف أن التطور يتحرك في قفزات
أعاد نظام قياس بالذكاء الاصطناعي ونموذج إحصائي جديد بناء نحو 50 مليون سنة من تطور أجسام الطيور المغردة. وربطت النتائج قفزات تشريحية نادرة بفترات اضطراب مناخي، لكنها تثبت الارتباط التاريخي لا أن المناخ سبب كل تغير.
نتخيل التطور غالباً كعملية شديدة البطء والانتظام، تغيرات صغيرة تتراكم بالمعدل نفسه عبر ملايين السنين. لكن تحليلاً جديداً لأكبر رتب الطيور تنوعاً يقدم صورة أكثر إثارة: فترات طويلة من التباطؤ تقطعها قفزات نادرة تتغير فيها أشكال الأجسام بسرعة أكبر بكثير.
الخلاصة في 30 ثانية
- أعاد نظام قياس بالذكاء الاصطناعي ونموذج إحصائي جديد بناء نحو 50 مليون سنة من تطور أجسام الطيور المغردة.
- وربطت النتائج قفزات تشريحية نادرة بفترات اضطراب مناخي، لكنها تثبت الارتباط التاريخي لا أن المناخ سبب كل تغير.
- تبقى حدود الدليل وما لم يُثبت بعد جزءاً أساسياً من القصة.
للوصول إلى هذه النتيجة، جمع الباحثون بين نظام ذكاء اصطناعي يقيس هياكل الطيور في المتاحف وطريقة إحصائية جديدة تحلل الجسم كوحدة مترابطة. اعتمدت الدراسة المنشورة في 20 يوليو 2026 بدورية Nature Ecology & Evolution على أكثر من 170 ألف قياس عظمي تخص 2057 نوعاً من رتبة العصفوريات (Passeriformes)، التي تضم الطيور المغردة والواقفة على الأغصان.
آلة تحول أدراج المتاحف إلى قاعدة بيانات
كانت الأدلة محفوظة منذ أجيال داخل مجموعات التاريخ الطبيعي، لكن حجم المهمة كان العائق. فقياس عشرات الآلاف من العظام يدوياً يحتاج إلى سنوات، وقد تختلف النتائج باختلاف الأشخاص الذين يجرون القياس.
يصور نظام Skelevision هيكل الطائر أمام شبكة معايرة، ثم يتعرف نموذج للرؤية الحاسوبية (Computer Vision Model) إلى العظام ويقيسها. تستغرق العملية نحو 45 ثانية للعينة الواحدة. وبهذه الطريقة مسح الفريق أكثر من 15 ألف هيكل فردي وحولها إلى أكثر من 170 ألف قيمة قابلة للتحليل.
لا يكتشف النظام أحداث التطور بنفسه. مهمته تحويل العينات المادية إلى بيانات متسقة وعلى نطاق كان صعباً من قبل. بعد ذلك أدخل الباحثون القياسات إلى أشجار النشوء والتطور (Phylogenetic Trees) وإطار نمذجة جديد اسمه bifrost لإعادة بناء تغير مجموعات الصفات عبر الزمن.
لماذا لا يكفي قياس عظمة واحدة؟
جسم الطائر منظومة مترابطة. فلا يتطور جناح أطول أو ساق أقصر أو منقار مختلف بمعزل كامل عن بقية الهيكل. وقد تفقد التحليلات التقليدية هذه العلاقات عندما تدرس كل صفة منفردة.
صُممت bifrost لإجراء تحليل تطوري متعدد المتغيرات (Multivariate Evolutionary Analysis) يرصد التحولات بين قياسات متعددة مرتبطة ببعضها. بحثت الطريقة داخل شجرة العصفوريات عن الفروع التي تغير عندها معدل تطور شكل الجسم أو نمطه. كما نشر الفريق الشيفرة والبيانات المساندة كي يتمكن باحثون آخرون من فحصها وإعادة استخدامها.
كشفت النظرة الشاملة عن قفزات نادرة قرب بدايات مجموعات كبرى من الطيور، أعقبتها موجات كثيرة من التباطؤ. ويبدو أن تلك الفترات المبكرة من التجريب التشريحي السريع ساهمت بدرجة كبيرة في التنوع الهائل الذي نراه اليوم.
صلة مناخية مكتوبة في العظام
وقعت إحدى القفزات الرئيسية قبل نحو 35 مليون سنة، قرب الانتقال بين عصري الإيوسين والأوليغوسين (Eocene–Oligocene Transition)، حين شهدت الأرض تبريداً عالمياً قوياً. كما تزامنت مجموعات لاحقة من التحولات مع فترات أخرى من الاضطراب المناخي.
اختبر الباحثون النمط بطريقة ثانية عبر مقارنة مجتمعات الطيور الحالية حول العالم. ووجدوا أن المناطق الواقعة عند خطوط عرض أعلى، حيث تتغير درجات الحرارة موسمياً بدرجة أكبر، تضم طيوراً ذات متوسط أسرع في تطور مخطط الجسم (Body-Plan Evolution) مقارنة بكثير من مجتمعات المناطق القريبة من خط الاستواء.
يدعم التشابه بين الماضي البعيد والجغرافيا الحالية فكرة أن تقلب البيئة قد يصنع ضغوطاً وفرصاً للابتكار التشريحي. فقد يفتح المناخ المتغير موائل جديدة أو يعيد توزيع الغذاء أو يعزل مجموعات من الطيور أو يمنح ميزة لأساليب جديدة في الحركة والتغذية.
الذكاء الاصطناعي لم يعمل وحده
قد يخفي العنوان دور البشر والبنية العلمية التي جعلت النتيجة ممكنة. فقد جمع موظفو المتاحف العينات وحفظوها وصنفوها عبر عقود طويلة. وأمضى الباحثون سبع سنوات في تطوير Skelevision والتحقق من دقته، ثم بنى علماء التطور أشجار القرابة واختاروا النماذج وفسروا النتائج.
سرّع الذكاء الاصطناعي مهمة محددة لكنها أساسية، وهي استخراج قياسات موحدة من الصور. ولم يستبدل المعرفة الميدانية أو التصنيف أو الحكم الإحصائي. وتمثل الدراسة مثالاً جيداً على قدرة التقنية على استخراج أسئلة جديدة من مجموعات قديمة، لا على إلغاء الحاجة إليها.
ما الذي لا تثبته الدراسة؟
التزامن بين القفزات التطورية وعدم استقرار المناخ دليل قوي على الارتباط، لكنه لا يثبت أن المناخ تسبب مباشرة في كل تغير تشريحي. فقد تحركت القارات وتبدلت الموائل وتنافست الأنواع وظهرت فرص بيئية جديدة خلال الفترات نفسها، ومن الصعب فصل هذه العوامل عبر عشرات ملايين السنين.
كما يعيد التحليل بناء الماضي اعتماداً على الأنواع الحية والعينات المتحفية ونموذج للنشوء والتطور (Phylogenetic Model). وقد تؤثر الفروع المنقرضة التي لم تترك أدلة كافية في تقدير توقيت التحولات وحجمها. وتحمل نماذج القياس وأشجار التطور قدراً من عدم اليقين مهما كبر حجم البيانات.
ولا تعني النتيجة أن الطيور تستطيع بسهولة مجاراة الاحترار السريع الذي يصنعه الإنسان اليوم. فالتحول الذي يحدث عبر ملايين السنين لا يضمن التكيف خلال عقود قليلة، خصوصاً مع فقدان الموائل والضغوط الأخرى.
عظام قديمة تجيب عن سؤال حديث
تكمن جاذبية القصة في الطريقة بقدر ما تكمن في النتيجة. عينات جُمعت قبل ظهور الحاسوب تحولت إلى مدخلات لتجربة لم يكن جامعوها يتخيلونها.
لم يتنبأ الذكاء الاصطناعي بمستقبل التطور، بل ساعد على قراءة سجل محفوظ في آلاف الهياكل. ويشير ذلك السجل إلى أن تاريخ الحياة لا يتحرك كعقارب الساعة دائماً، بل كجملة طويلة هادئة تقطعها فجأة علامات تعجب.
قبل أن نبالغ في النتيجة
وربطت النتائج قفزات تشريحية نادرة بفترات اضطراب مناخي، لكنها تثبت الارتباط التاريخي لا أن المناخ سبب كل تغير.
المصادر والمراجع4 مصادر
المراجع الخارجية المستخدمة لدعم المعلومات الواردة في هذا المقال.
نشر بواسطة
NewTqnia Editorial
فريق التقنية والابتكار