العلوم 3 min read

الذكاء الاصطناعي يعيد قراءة مخطوطة من هيركولانيوم (Herculaneum) أغلقتها كارثة بركان فيزوف قبل نحو ألفي عام

نجح باحثون في قراءة مخطوطة كاملة من هيركولانيوم (Herculaneum) من دون فتحها أو لمس طبقاتها الهشة، بعد أن حولها ثوران بركان فيزوف (Vesuvius) إلى كتلة متفحمة قبل نحو ألفي عام. يجمع الإنجاز بين التصوير بالأشعة السينية (X-ray Imaging) والنمذجة الهندسية والتعلم الآلي (Machine Learning)، وقد يفتح الطريق لاستعادة مئات النصوص المفقودة.

Reading settings

ظلت مئات المخطوطات المكتشفة في مدينة هيركولانيوم (Herculaneum) حاضرة بأجسادها وغائبة بنصوصها. فقد أدى ثوران بركان فيزوف (Vesuvius) عام 79 ميلادية إلى تفحم لفائف البردي وتحولها إلى كتل هشة تشبه الفحم، بحيث قد تؤدي أي محاولة لفتحها باليد إلى تفتتها وضياع ما تحمله إلى الأبد.

بعد قرابة ألفي عام، نجح فريق من الباحثين في قراءة مخطوطة كاملة من بدايتها إلى نهايتها من دون فتحها فعلياً. لم يعتمد الإنجاز على تقنية واحدة، بل على سلسلة مترابطة من التصوير بالأشعة السينية (X-ray Imaging)، وإعادة البناء ثلاثية الأبعاد (3D Reconstruction)، والخوارزميات الهندسية، والتعلم الآلي (Machine Learning)، ثم المراجعة الدقيقة على أيدي المتخصصين في البرديات واللغة اليونانية القديمة.

مكتبة أنقذتها الكارثة التي دمرتها

عُثر على المخطوطات داخل «فيلا البرديات» (Villa of the Papyri)، وهي أكبر مكتبة متكاملة وصلت إلينا من العالم اليوناني الروماني القديم. أتلفت الحرارة الهائلة الشكل المعتاد للبردي، لكنها في الوقت نفسه حفظت مادته المتفحمة تحت طبقات الرماد البركاني.

واجه الباحثون لسنوات معضلة صعبة: قد تحتوي اللفائف على نصوص لا توجد منها أي نسخة أخرى، لكن محاولة الوصول إليها بالطريقة التقليدية يمكن أن تدمرها. ولهذا أصبح الهدف هو فتح المخطوطة رقمياً، مع إبقائها مغلقة ومحفوظة في صورتها المادية.

كيف تُفتح مخطوطة من دون لمسها؟

بدأ العمل بالتصوير المقطعي بالأشعة السينية (X-ray Tomography)، ما أنتج نموذجاً ثلاثي الأبعاد يوضح الطبقات الملتفة داخلها. بعد ذلك تتبعت البرمجيات أسطح البردي المتجعدة، وفصلت الطبقات المتداخلة، ثم بسطتها رياضياً على شاشة مسطحة قابلة للفحص.

تأتي بعد ذلك مهمة اكتشاف الحبر، وهي من أصعب المراحل لأن الحبر والبردي أصبحا متقاربين في اللون والتركيب بعد التفحم. دُربت نماذج التعلم الآلي على التعرف إلى تغيرات دقيقة في سطح الألياف تشير إلى مواضع الكتابة، ثم تولى علماء البرديات تفسير الحروف وربط الكلمات واستكمال الأجزاء المتضررة.

  • التصوير (Imaging): يكشف البنية الداخلية للّفافة من دون قطعها.
  • تقسيم الطبقات (Segmentation): تفصل الخوارزميات طبقات البردي وتتابع مسار كل منها.
  • اكتشاف الحبر (Ink Detection): يحدد التعلم الآلي العلامات الدقيقة التي يُرجح أنها آثار للكتابة.
  • التحليل العلمي: يحول المتخصصون العلامات إلى نص يوناني قابل للقراءة والنقد.

لماذا تختلف قراءة مخطوطة كاملة؟

نجحت مراحل سابقة في إظهار كلمات منفردة أو مقاطع من النص، لكنها لم تثبت أن المنظومة تستطيع التعامل مع عمل كامل. أما قراءة المخطوطة PHerc. 1667 من بدايتها إلى نهايتها، فتؤكد أن التقنية أصبحت مساراً عملياً لاستعادة كتب كاملة.

وقد تضم المجموعة أعمالاً مفقودة في الفلسفة والأدب والتاريخ. ترتبط بعض النصوص بالفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس (Philodemus)، لكن اللفائف المغلقة قد تخفي مؤلفات لم تصل منها أي نسخة أخرى.

الذكاء الاصطناعي لم يقرأ المخطوطة بمفرده

تحققت النتيجة عبر تعاون بين علماء الفيزياء والحاسوب والهندسة والمؤرخين وخبراء اللغات القديمة. تستطيع الخوارزمية إبراز أنماط خافتة يصعب رؤيتها، لكن العلماء هم من يحددون ما إذا كانت هذه الأنماط تشكل نصاً يونانياً ذا معنى.

ماذا بعد المخطوطة الأولى؟

نشر مشروع «تحدي فيزوف» (Vesuvius Challenge) البيانات والأدوات البرمجية لتشجيع فرق أخرى على تطويرها، كما أعلن جوائز جديدة لقراءة مزيد من اللفائف. ولا تزال مئات المخطوطات تنتظر الفحص، بينما تتمثل المهمة المقبلة في تسريع معالجة الصور وتحسين فصل الطبقات ورفع دقة اكتشاف الحبر.

Sources and citations

Published by

N

NewTaqnia Editorial

Technology & innovation desk