الديناصورات كانت أقل حظاً مما ظننا، فالكويكب القاتل كان نادراً بصورة استثنائية
تشير بصمات النيكل المحفوظة في طبقة الطين التي خلفها اصطدام تشيكشولوب إلى أن الجسم الذي ضرب الأرض قبل 66 مليون سنة كان من فئة نادرة للغاية من النيازك الكربونية CO. ويضيق الاكتشاف هوية الكويكب القاتل، كما يرجح أن الغبار المتصاعد من موقع الاصطدام كان أهم من الكبريت الموجود داخل الكويكب في صنع الكارثة.
نعرف أن كويكباً ضخماً أنهى عصر الديناصورات، لكن تحليلاً كيميائياً جديداً يشير إلى أن الجسم لم يكن هائلاً فقط، بل كان ينتمي إلى عائلة نادرة بصورة استثنائية من الصخور الفضائية.
حلل الباحثون الطبقة الرقيقة المنتشرة حول العالم التي خلفها اصطدام تشيكشولوب، وخلصوا إلى أن الجاني الأرجح كان نيزكاً كربونياً من فئة CO، المعروفة أيضاً بنيازك أورنان. ولا تمثل هذه الأجسام سوى جزء بالغ الصغر من النيازك التي عثرنا عليها على الأرض.
بصمة بقيت بعد اختفاء الكويكب
لا توجد قطعة سليمة يمكن وضعها في متحف. كان قطر الكويكب بين 10 و15 كيلومتراً تقريباً، واصطدم بمنطقة شبه جزيرة يوكاتان الحالية بسرعة تقدر بنحو 64 ألف كيلومتر في الساعة. تبخر الجسم، وحفر فوهة تشيكشولوب، وقذف مواد حول الكوكب.
ما بقي هو شريط طيني دقيق يفصل بين العصر الطباشيري وما تلاه قبل 66 مليون سنة. ويحمل هذا الشريط كميات ضئيلة من عناصر الكويكب ممزوجة بصخور القشرة الأرضية التي تناثرت أثناء الاصطدام.
استخدم الفريق قياسات فائقة الدقة لنظائر النيكل لاستخراج الإشارة القادمة من الفضاء. فلكل فئة من النيازك نمط نظائري مميز، ويمكن مقارنة الطبقة القديمة بصخور فضائية معروفة للوصول إلى أقرب تطابق.
لماذا يوصف الكويكب بالغريب؟
لا تشكل النيازك الكربونية سوى نحو 5% من العينات التي وصلت إلى الأرض، وفئة CO ليست إلا جزءاً صغيراً من هذه النسبة. كما أنها من أكثر المواد بدائية ومحافظة على تكوين النظام الشمسي المبكر.
أي أن الديناصورات لم تواجه جسماً كارثياً بالحجم فقط، بل صادفت نوعاً بالغ الندرة. وربما جاء من مناطق بعيدة مليئة بالحطام أو من أطراف حزام الكويكبات قرب المشتري، لكن مساره الدقيق إلى الأرض لم يحسم بعد.
الاكتشاف يعدل جزءاً من قصة الانقراض
الأدلة على أن اصطدام تشيكشولوب قاد انقراض العصر الطباشيري قوية للغاية. فقد اختفى نحو 75% من الأنواع، ومنها جميع الديناصورات غير الطيرية. ولا يغير البحث الجديد هذا التفسير، بل يحدد تركيب المقذوف بصورة أدق.
تحتوي نيازك CO على كمية أقل من الكبريت والمواد المتطايرة مقارنة ببعض النيازك الكربونية الأخرى. وهذا يضعف احتمال أن يكون الكبريت المحمول داخل الكويكب نفسه العامل الرئيسي في التبريد العالمي الطويل الذي أعقب الضربة.
ويرجح الباحثون أن الغبار الدقيق والهباء المتصاعد من صخور موقع الاصطدام الغنية بالكبريت كان أهم. فقد حجبت المواد ضوء الشمس وعطلت التمثيل الضوئي وخفضت الحرارة، ثم انهارت سلاسل الغذاء على اليابسة وفي البحار.
كيف يكشف النيكل جسماً اختفى؟
النظائر أشكال للعنصر نفسه تختلف في عدد النيوترونات. وتعمل نسبها كبصمة كيميائية ورثتها المادة من مكان وظروف تكونها. ويمكن لإشارة النيكل أن تبقى في السجل الجيولوجي حتى بعد زوال الجسم الأصلي.
لكن القياس شديد الصعوبة. فما بقي من الكويكب جزء متناه في الصغر داخل كمية هائلة من المواد الأرضية. لذلك تقدم الدراسة ترجيحاً يعتمد على أفضل تطابق نظائري، لا قطعة مؤكدة من الكويكب يمكن تتبعها مباشرة.
ما الذي ما زلنا نجهله؟
ضيقت الدراسة الهوية إلى فئة نادرة، لكنها لم تحدد الكويكب الأم أو المنطقة التي أرسلته نحو الأرض. وستحتاج الفرضيات إلى نماذج مدارية تختبر المسارات الممكنة من حزام الكويكبات الخارجي أو من مناطق أبعد.
ولا يلغي البحث دور الضغوط البيئية الأخرى في ذلك العصر، ومنها الثورات البركانية الهائلة في مصاطب الدكن بالهند. ولا يزال العلماء يناقشون كيف تفاعلت تلك البراكين مع الشتاء المفاجئ الذي صنعه الاصطدام.
إشارة ذرية صغيرة من أسوأ يوم على الأرض
تكمن روعة الاكتشاف في الفرق بين المقاييس. جسم غير تاريخ الحياة اختفى خلال ثوان، لكن أثراً ذرياً من تكوينه بقي موزعاً داخل الطين عبر القارات لمدة 66 مليون سنة.
وتقودنا بصمة النيكل إلى فكرة مثيرة للقلق: لو مر هذا الجسم النادر بعيداً قليلاً، أو وصل في زمن ومكان مختلفين، لربما سلك تاريخ الحياة على الأرض مساراً آخر تماماً.
Sources and citations
Published by
NewTqnia Editorial
Technology & innovation desk