الأحدث الأكثر رواجاً استكشف الخطوط الزمنية التصنيفات
كل الشروحات

شرح تقني

كيف يكشف المرجان أحداث إل نينيو قبل مئات السنين؟

تحفظ هياكل المرجان تغيرات كيميائية حساسة للحرارة طبقة بعد أخرى. وبعد معايرة Sr/Ca ونظائر الأكسجين وتأريخ العينات الحية والمتحجرة ومقارنة النمط الإقليمي لـENSO، يعيد العلماء بناء نوافذ من مناخ الهادئ سبقت القياسات بقرون.

يبني المرجان الصخري هيكله بإضافة طبقات رقيقة من كربونات الكالسيوم. وتحمل كيمياء كل طبقة أثرا من مياه البحر التي تكوّنت فيها. وعندما يقيس العلماء هذه الطبقات بالترتيب، يحصلون على سلسلة زمنية لظروف المحيط القديمة، كأن أداة مناخية كانت تعمل داخل الهيكل. تغطي المستعمرات الحية العقود الحديثة، بينما تفتح القطع المتحجرة المؤرخة نوافذ أقدم كثيرا من سجل موازين الحرارة.

الإجابة المختصرة

يقدّر العلماء نشاط إل نينيو في الماضي بقياس نسب كيميائية حساسة للحرارة على امتداد طبقات نمو المرجان. تُستخدم نسبة السترونشيوم إلى الكالسيوم (Sr/Ca) مؤشرا بديلا لحرارة سطح البحر. أما نظائر الأكسجين (δ18O) فتستجيب للحرارة وللتركيب النظائري لمياه البحر معا، وهو تركيب يتأثر بالمطر والتبخر والملوحة.

لا تكتسب القياسات معناها إلا بعد تحديد زمن تكوّن الطبقات، ومعايرة الكيمياء بقياسات حديثة، واختبار ما إذا كانت التقلبات توافق النمط الإقليمي لـتذبذب إل نينيو الجنوبي (ENSO). تستطيع الأحافير المرجانية كشف ظروف تعود إلى قرون، لكنها تقدم عادة فترات منفصلة لا سجلا سنويا متصلا.

لماذا نحتاج إلى سجل المرجان؟

تختلف شدة إل نينيو ولا نينيا طبيعيا من حدث إلى آخر. وقد تضم بضعة عقود عدة أحداث متطرفة أو تمر بهدوء نسبي بالمصادفة، فيبدو النشاط أعلى أو أقل من حقيقته على المدى الطويل. كما أن قياسات المحيط الموثوقة تصبح أكثر ندرة كلما عدنا إلى ما قبل منتصف القرن العشرين.

ولمعرفة هل خرج ENSO عن نطاق تقلبه الطبيعي، يحتاج الباحثون إلى خط أساس أطول. لذلك يستخدمون المؤشرات البديلة للمناخ القديم، وهي خصائص فيزيائية أو كيميائية تنوب عن القياسات السابقة لعصر موازين الحرارة والأقمار الاصطناعية والعوامات. ويمتاز المرجان في البحار المدارية بأن بعض أنواعه ينمو بسرعة تكفي لحفظ تغيرات فصلية أو شهرية.

كيف يتحول الهيكل المرجاني إلى خط زمني؟

تفرز حيوانات المرجان هيكلا من الأراغونيت، وهو شكل بلوري من كربونات الكالسيوم. ومع نمو المستعمرة إلى أعلى وإلى الخارج، تتراكم مادة جديدة فوق الأقدم. وقد تظهر تغيرات الكثافة في هيئة أحزمة يمكن فحصها بالأشعة السينية أو التصوير المقطعي. وهكذا تحتوي عينة أسطوانية تؤخذ على محور النمو على سنوات أو عقود مرتبة.

يرسم الباحثون اتجاه النمو أولا، ويفحصون الانقطاعات والتآكل وآثار الكائنات التي حفرت في الهيكل. ثم يأخذون كميات دقيقة من المسحوق على مسافات منتظمة باستخدام مثقاب أو أداة قطع دقيقة. تمثل كل عينة مدة قصيرة من النمو. وقد تقترب الدقة من شهر واحد في المرجان السريع مع أخذ عينات متقاربة، بينما تدمج العينة الخشنة أو النمو البطيء عدة أشهر.

ليست الأحزمة تقويما مطبوعا لا يخطئ. يتغير عرضها ووضوحها باختلاف النوع والضوء والحرارة والإجهاد واتجاه النمو. لذلك يبني العلماء نموذجا زمنيا من عدة قرائن، مثل أحزمة الكثافة السنوية والدورات الكيميائية الموسمية وتاريخ جمع العينة والأعمار الإشعاعية المستقلة.

ماذا تقيس نسبة السترونشيوم إلى الكالسيوم؟

عند تكوّن الأراغونيت، يدخل مقدار ضئيل من السترونشيوم في الهيكل مع الكالسيوم. وفي كثير من أنواع المرجان المدروسة تنخفض نسبة السترونشيوم إلى الكالسيوم كلما ارتفعت حرارة الماء. يقيس الباحثون Sr/Ca على محور النمو، ثم يستخدمون معايرة تجريبية لتحويل النسبة إلى تقدير لحرارة سطح البحر.

تأتي المعايرة من مقارنة كيمياء المرجان الحديث بقياسات الحرارة القريبة خلال الفترة نفسها. ولا توجد معادلة واحدة صالحة لكل مرجان. فقد تغير الفصيلة والمستعمرة وسرعة النمو وطريقة المختبر العلاقة، ولهذا يفضل العلماء معايرة الموقع نفسه أو مقارنة عدة مستعمرات.

تفيد Sr/Ca لأنها تعكس الحرارة في المقام الأول، لكن ذلك لا يعني أنها لا تتأثر بشيء آخر. فقد تشوّه العمليات الحيوية داخل المرجان وتغير سرعة التكلس والتحولات الكيميائية اللاحقة الإشارة الأصلية.

ماذا تضيف نظائر الأكسجين؟

يوجد الأكسجين طبيعيا في صور نظائرية متعددة. ويقارن الباحثون وفرة الأكسجين-18 بالأكسجين-16 داخل الهيكل، ويعرضون النتيجة بصيغة δ18O.

تتغير قيمة δ18O في المرجان لسببين أساسيين:

  • الحرارة: يعتمد توزيع نظائر الأكسجين بين مياه البحر وكربونات الكالسيوم على درجة الحرارة.
  • تركيب مياه البحر: يغير المطر والتبخر وحركة المحيط ودخول المياه العذبة التركيب النظائري للماء، وغالبا ما يترافق ذلك مع تغير الملوحة.

قد تكون هذه الحساسية المزدوجة مشكلة أو ميزة. فإذا قدمت Sr/Ca تقديرا مستقلا للحرارة، يمكن مقارنة النتيجتين لاستنتاج تغيرات ترتبط بالمطر أو تركيب المياه. أما δ18O وحدها فلا ينبغي قراءتها تلقائيا كميزان حرارة خالص.

كيف يؤرَّخ المرجان الحي؟

في المستعمرة الحية التي جُمعت في تاريخ معروف، تمثل الطبقة الخارجية نقطة زمنية حديثة. يستطيع الباحثون عد أحزمة الكثافة إلى الخلف ومطابقة القمم والانخفاضات الكيميائية المتكررة مع دورة الحرارة الموسمية. وقد يربطون شذوذا واضحا بأحداث إل نينيو موثقة أو بثوران بركاني أو بظروف أخرى معروفة التاريخ.

ينتج عن ذلك تسلسل يخصص شهرا أو فصلا تقريبيا لكل عينة. ويهم الخطأ الذي لا يتجاوز بضعة أشهر عند دراسة ENSO، لأن الحدث يتطور عبر الفصول. لذلك يقارن الفريق عدة مؤشرات زمنية ولا يكتفي بعد حزام مرئي واحد.

كيف تؤرَّخ الأحافير المرجانية؟

لا نعرف متى توقفت القطعة المتحجرة عن النمو. ومن أكثر الطرق استخداما التأريخ باليورانيوم والثوريوم (U-Th). يأخذ الهيكل عند تكوّنه اليورانيوم من مياه البحر ولا يأخذ إلا قدرا ضئيلا من الثوريوم. ثم تتحلل نظائر اليورانيوم وفق سلسلة معروفة ينتج عنها الثوريوم-230. وبقياس النظائر الأصلية والناتجة، يقدّر العلماء زمن تكوّن الهيكل.

تنجح الطريقة إذا ظل النظام الكيميائي للعينة مغلقا بدرجة كافية. فقد تضيف الرواسب أو تغيرات مياه البحر أو نمو المعادن اللاحق ثوريوم، أو تحرك اليورانيوم، فينحرف العمر. لذلك يفحص الباحثون التلوث والتحول المعدني، ويطبقون تصحيحا عندما يكون مبررا، وينشرون مقدار عدم اليقين في العمر.

يضع U-Th القطعة ضمن فترة تعود إلى قرون أو آلاف السنين، بينما تحفظ الأحزمة داخلها تتابع الفصول أو السنوات. لكنه لا يصل القطع المتباعدة تلقائيا في سجل واحد بلا فجوات.

كيف تدل الكيمياء على حدث إل نينيو؟

إل نينيو ليس كل سنة دافئة في شعاب واحدة، بل هو المرحلة الدافئة من نمط مترابط بين المحيط والغلاف الجوي عبر الهادئ المداري. وفي المواقع شديدة التأثر به، يترك الحدث الكبير شذوذا واضحا في حرارة البحر، وقد يغير المطر والملوحة وصعود المياه العميقة أيضا.

لهذا يتبع الباحثون عدة خطوات:

  1. اختيار موقع حساس: تسجل مواقع وسط الهادئ الاستوائي وشرقه ENSO بوضوح أكبر من شعاب بعيدة في العادة.
  2. معايرة المؤشر: تُقارن كيمياء المرجان الحديث بحرارة البحر المقاسة وبمؤشرات ENSO المعروفة.
  3. إزالة الدورة الموسمية أو نمذجتها: يجب ألا يُفسر التغير المعتاد بين الصيف والشتاء على أنه حدث.
  4. قياس الشذوذ والتقلب: يفحص العلماء مقدار الخروج عن الحالة الموسمية المعتادة ومدته وحجمه.
  5. مقارنة سجلات متعددة: الاتفاق بين مستعمرات أو مواقع أو مؤشرات مختلفة أقوى من عينة منفردة.

لا تثبت طبقة دافئة واحدة وقوع إل نينيو على مستوى المحيط كله. تقوى النتيجة عندما يوافق التوقيت والحجم والنمط سلوك ENSO، ولا تفسرها ظروف محلية بديلة على نحو أفضل.

كيف تصبح القطع إعادة بناء تغطي قرونا؟

لنتخيل عينة حية تغطي من عام 1970 إلى الحاضر، ومعها قطع متحجرة نما كل منها مدة تتراوح بين 20 و80 عاما في أزمنة مختلفة خلال الألفية السابقة. تضع أعمار U-Th كل نافذة في موقعها على الخط الطويل. ثم يعالج الباحثون الكيمياء بطريقة متسقة، ويقيسون التقلب داخل كل نافذة ويقارنون الفترات.

قد توحد الطرق الإحصائية السجلات التي تختلف متوسطاتها، وتدخل عدم اليقين الزمني في الحساب، وتقدّر مقدار تمثيل كل نافذة. ويمكن لمحاكاة المناخ بعد ذلك اختبار العوامل القادرة على إعادة السلوك المستنتج، مثل البراكين وتغير النشاط الشمسي والاحترار الناتج عن غازات الدفيئة والديناميات الداخلية للمحيط.

غالبا ما تكون النتيجة مجموعة لقطات مؤرخة، لا خطا متصلا لكل سنة. ومع ذلك تستطيع إعادة البناء اختبار ما إذا كانت فترة حديثة تقع خارج معظم النوافذ القديمة، لكن الفجوات تحد قدرتها على تحديد التوقيت الدقيق والتكرار في الماضي.

ما الذي قد يفسد الإشارة؟

  • ظروف المحيط المحلية: قد تغير التيارات والعمق وصعود المياه ودخول المياه العذبة شعابا واحدة من دون أن تمثل الهادئ كله.
  • التأثيرات الحيوية: تستطيع بيولوجيا المرجان وسرعة التكلس تغيير إدخال العناصر بصرف النظر عن المناخ.
  • التحول بعد الدفن: قد يبدل الذوبان أو إعادة التبلور نسبة Sr/Ca أو النظائر الأصلية.
  • أخطاء التسلسل الزمني: يزحزح عد الأحزمة خطأ أو عدم يقين عمر الأحفورة الأحداث عن موقعها.
  • دقة أخذ العينات: تمزج العينات الواسعة التقلبات القصيرة وقد تقلل تقدير شدة الحدث.
  • الفروق بين المستعمرات: قد لا تسجل قطعتان متجاورتان القيم الكيميائية نفسها.
  • ارتفاع المتوسط الحراري: يصعب أحيانا فصل احترار الخلفية عن تغير مقدار تقلب ENSO نفسه.
  • بقاء العينات واختيار الموقع: قد لا تمثل الأحافير المتاحة اليوم كل البيئات الماضية بالتساوي.

كيف يختبر العلماء موثوقية النتيجة؟

لا تتعامل الدراسات القوية مع النسبة الكيميائية كأنها قراءة مباشرة لا تحتاج إلى فحص. بل تقارن الجزء الحديث بقياسات الأجهزة، وتكرر القياس في أكثر من مستعمرة، وتفحص الهيكل بحثا عن التحول، وتجرب نماذج زمنية بديلة، وتنشر كيف تتغير الخلاصة مع معادلات معايرة مختلفة.

وقد تقارن المرجان بحلقات الأشجار ورواسب البحيرات وأصداف الرخويات والوثائق التاريخية ومحاكاة المناخ. يزيد اتفاق أرشيفات مستقلة الثقة. ويفيد الخلاف أيضا، فقد يكشف أن الموقع يسجل ظروفا محلية، أو أن المؤشر يستجيب لأكثر من الحرارة، أو أن النموذج المناخي لا يمثل عملية فيزيائية جيدا.

ما الذي يستطيع سجل المرجان قوله، وما الذي يعجز عنه؟

يكشف المرجان نطاق تقلب المحيط المداري وإيقاعه قبل القياسات المباشرة. ويمكنه اختبار ما إذا كانت العقود الحديثة تبدو غير معتادة قياسا بالفترات القديمة، ويساعد في تقييم قدرة نماذج المناخ على محاكاة ENSO.

لكنه لا يحدد جميع الآثار العالمية لكل حدث قديم، ولا يضمن أن شعابا واحدة تمثل المحيط الهادئ كله، ولا يزيل عدم اليقين من النوافذ الأحفورية المتباعدة. كما أن تغير التقلب على المدى الطويل لا يتنبأ وحده بأمطار إل نينيو المقبلة أو أضرارها، إذ تعتمد النتائج أيضا على المكان والفصل ومدى التعرض والاستعداد.

ماذا أظهرت نتيجة غالاباغوس الحديثة؟

جمعت الدراسة التي تناولها تقرير نيوتقنية عن إعادة بناء من مرجان غالاباغوس تغطي 900 عام بين سجلات حية ومتحجرة، وخلصت إلى اشتداد تقلب ENSO في شرق الهادئ خلال العصر الحديث. تأتي أهميتها من تمديد المقارنة إلى ما قبل سجل الأجهزة القصير.

تظل طريقة تفسير النتيجة قابلة للنقاش. فقد أشار باحثون مستقلون إلى أن بعض القياسات المحلية الحديثة لا توافق الاتجاه المستنتج بوضوح، وتساءلوا هل يسجل المرجان جزءا من احترار المحيط العام لا ENSO وحده. وتبقى إضافة سجلات من مواقع أخرى في الهادئ، مع نشر تفاصيل المعايرة وعدم اليقين الزمني، ضرورية لمعرفة مدى اتساع النتيجة.

الصورة الذهنية الأهم

المرجان ليس يوميات مناخية تكتب كلمة «إل نينيو» على طبقة بعينها. إنه مسجل كيميائي. يحول العلماء ترتيب نموه إلى زمن، والنسب الكيميائية إلى تقديرات للبيئة، ثم يختبرون هل يتصرف النمط الناتج مثل ENSO. تضيف كل عملية تحويل قدرا من عدم اليقين، ولهذا لا تقل أهمية التكرار والتأريخ والمعايرة والأدلة المستقلة عن أهمية المرجان نفسه.

ظهر أول مرة في

سجل مرجاني يرصد اشتداد ظاهرة إل نينيو مع ارتفاع حرارة الأرض

يتوفر إصدار جديد من نيو تقنية.