الذكاء الاصطناعي ساعد في صنع حقيبة من «جلد تي ريكس»، لكن الحقيقة أعقد من العنوان
استخدم باحثون نمذجة بروتينية مدعومة بالذكاء الاصطناعي وخلايا مهندسة لإنتاج مادة جلدية مستوحاة من شظايا كولاجين منسوبة إلى ديناصور تي ريكس. الحقيبة حقيقية، لكن وصفها بأنها جلد ديناصور أُعيد إلى الحياة يتجاوز ما تثبته الأدلة.
تقبع حقيبة زرقاء مخضرة داخل صندوق عرض في متحف، وفوقها هيكل لديناصور «تيرانوصور ريكس». ويقدمها صانعوها بوصفها أول منتج مصنوع من «جلد تي ريكس» مزروع في المختبر. تبدو القصة كأنها مشهد مبالغ فيه من فيلم «جوراسيك بارك»: يقرأ الذكاء الاصطناعي شظايا بروتين عمره 68 مليون سنة، ويكمل العلماء الأجزاء المفقودة، ثم تنتجه خلايا حية وتحوله يد مصمم إلى قطعة أزياء فاخرة.
الحقيبة موجودة فعلاً، والتقنيات الحيوية المستخدمة في صنع مادتها حقيقية. لكن النسخة الأكثر إثارة من القصة، أي أن العلماء أعادوا جلد ديناصور إلى الحياة، هي النقطة التي يبدأ عندها الإنجاز العلمي في الاختلاط بالتسويق الذكي.
كيف تصنع جلداً من حيوان منقرض؟
لا يبقى الحمض النووي سليماً عشرات الملايين من السنين، ولذلك لم يستخرج الفريق جينوماً صالحاً لديناصور تي ريكس. كانت نقطة البداية شظايا منشورة من بروتين الكولاجين نُسبت إلى عظام ديناصورات متحجرة. والكولاجين بروتين بنيوي يوجد في العظام والجلد والأنسجة الضامة.
لم تكن الشظايا كافية لتقديم وصفة كاملة. استخدم فريق The Organoid Company علم الأحياء الحاسوبي ونمذجة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوقع الأجزاء المفقودة من تسلسل يزيد على 1,400 حمض أميني. ثم حُوّل البروتين المتوقع إلى تعليمات وراثية مصنعة وأُدخلت في خط خلوي مهندس.
عملت الخلايا الحية كمصانع مجهرية. وزرعتها شركة Lab-Grown Leather لإنتاج الكولاجين وبناء مادة خارج خلوية، من دون الاعتماد على جلد حيوان أو الهيكل الداعم التقليدي المستخدم في صناعة الجلود. وبعد ذلك حوّل مصمم العلامة Enfin Levé صفيحة المادة الزرقاء المخضرة إلى حقيبة وحيدة من نوعها.
هنا يكمن الإنجاز التقني الحقيقي. لم يصمم الذكاء الاصطناعي شكل الحقيبة، بل ساعد في الانتقال من أدلة بيولوجية ناقصة إلى مخطط بروتيني تستطيع الخلايا إنتاجه. وهكذا اجتمعت حفريات الديناصورات وتوقع البروتينات والبيولوجيا التركيبية وهندسة المواد داخل جسم واحد شديد الغرابة.
هل هي فعلاً من جلد تي ريكس؟
ليس بالمعنى المعتاد للكلمة. أوضح علماء حفريات مستقلون تحدثوا إلى رويترز أن الكولاجين المنسوب إلى أحافير الديناصورات لا يبقى إلا في صورة شظايا. كما أن هذه الآثار جاءت من داخل العظم، لا من جلد محفوظ. وحتى إذا نجحنا في إعادة بناء بروتين كولاجين مطابق تماماً، فلن نحصل على بقية البروتينات والخلايا وترتيب الألياف والعمليات الحيوية التي صنعت جلد الحيوان الأصلي.
يتضمن التسلسل المكتمل معلومات متوقعة حاسوبياً. ولهذا سيكون الوصف الأدق هو مادة جلدية مزروعة في المختبر ومهندسة حول تسلسل كولاجين أعيد بناؤه واستُلهم من تي ريكس. لم يُحفظ جلد ديناصور، ولم تُبعث خلية حية من ذلك الحيوان.
هذا لا يجعل المادة مزيفة. فالبيولوجيا الحديثة تعتمد كثيراً على تصميم تعليمات وراثية ودفع الخلايا إلى إنتاج بروتينات مفيدة. الأنسولين والإنزيمات والمواد المزروعة أمثلة على المبدأ نفسه. لكن الأمانة العلمية تتطلب الفصل بين ما جاء من دليل مادي وما استكمله الحاسوب بالترجيح.
الحقيبة كانت تجربة في صناعة القصة أيضاً
تقول وكالة VML المشاركة في المشروع بوضوح إن الهدف كان منح الجلد المزروع في المختبر الندرة والقصة اللتين يبحث عنهما سوق المنتجات الفاخرة. كُشف عن الحقيبة في أمستردام يوم 2 أبريل 2026، وعُرضت إلى جوار هيكل ديناصور، ثم انتقلت إلى مزاد في باريس.
توقع القائمون على المزاد سعراً بين 300 ألف و500 ألف يورو، لكن العروض لم تتجاوز نحو 150 ألف دولار، فلم تُبع الحقيبة. والنتيجة مهمة: تستطيع الإثارة جذب انتباه عالمي، لكنها لا تثبت وحدها قيمة مادة جديدة أو متانتها أو رغبة المستهلكين فيها.
لم يقدم المشروع بوصفه دراسة مواد محكمة تتضمن اختبارات مستقلة. وتأتي ادعاءات التحلل الحيوي وقابلية الإصلاح والتشابه البنيوي مع الجلد الطبيعي أساساً من الجهات التي صنعت المادة. وقبل أن تتحول الفكرة من قطعة فردية إلى تقنية صناعية، يجب نشر تفاصيل التصنيع ومقارنة القوة والعمر ومقاومة الماء والأثر البيئي بالجلود الحيوانية والبدائل الأخرى.
لماذا تظل هذه الحقيبة الغريبة مهمة؟
الدرس الأهم ليس أن الديناصورات تعود إلينا عبر الموضة، بل أن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة العلماء في استكشاف تصميمات بيولوجية انقرضت، ثم تحويلها إلى بروتينات ومواد لم يسبق تصنيعها.
يمكن استخدام المسار نفسه في تطبيقات أكثر جدية. فقد يعيد الباحثون بناء بروتينات قوية من كائنات منقرضة، أو يصممون مواد طبيعية أقل أثراً على البيئة، أو يبحثون داخل قواعد بيانات التطور عن تراكيب جزيئية مفيدة. وتمتد الفرصة من الطب والمنسوجات إلى التغليف والمواد الصناعية.
لكن الخطر واضح أيضاً. تستطيع القصة الجذابة تحويل تقريب حاسوبي إلى حقيقة بيولوجية في أذهان الجمهور. وعندما تستخدم الشركات كلمات مثل «البعث» من دون شرح حدودها، يصبح من الصعب التمييز بين الدليل العلمي والتفسير التسويقي.
لهذا تمثل حقيبة تي ريكس اختراعين في الوقت نفسه. الأول تجربة لافتة في هندسة البروتينات بمساعدة الذكاء الاصطناعي. والثاني قصة صممت لتمنح مادة مصنعة إحساساً بالقدم والندرة والحياة. قد يسهم الاختراع الأول في تغيير مستقبل التصنيع، أما الثاني فيذكرنا بضرورة قراءة الملصق بعناية.
المصادر والمراجع
نشر بواسطة
NewTqnia Editorial
فريق التقنية والابتكار