ثقب أسود بعيد عن مركز مجرته كشف نفسه حين مزّق نجماً
عثر فلكيون على ثقب أسود تساوي كتلته نحو مليون شمس، ويقع على بعد يتجاوز 30 ألف سنة ضوئية من مركز مجرته، بعدما مزّق نجماً عابراً. يفتح الحدث طريقة جديدة لرصد الثقوب السوداء البعيدة عن مراكز المجرات، لكن أصل هذا الثقب ومدى شيوع أمثاله لم يُحسما.
كيانات وموضوعات موثّقة
تختبئ الثقوب السوداء فائقة الكتلة عادة في قلب المجرات. أما هذا الثقب فظهر على بعد يتجاوز 30 ألف سنة ضوئية من مركز مجرته، ولم يلفت الانتباه إلا بعدما اقترب منه نجم أكثر مما ينبغي فمزقته الجاذبية وأطلقت وهجاً هائلاً.
الخلاصة في 30 ثانية
- ماذا حدث؟ رصدت التلسكوبات وهجاً ناتجاً عن تمزق نجم عند طرف مجرة تبعد نحو 750 مليون سنة ضوئية.
- لماذا يهم؟ كشف الوهج عن ثقب أسود تساوي كتلته قرابة مليون شمس في موقع يصعب العثور فيه على مثل هذه الأجسام.
- ما الذي لم يُثبت؟ تأكد موقعه البعيد عن المركز، لكن العلماء لم يحسموا كيف وصل إليه ولا مدى انتشار ثقوب مشابهة.
الرقم الأهم
وقع الحدث على بعد يزيد على 30 ألف سنة ضوئية من مركز المجرة، وهي أكبر مسافة مؤكدة حتى الآن لحدث من هذا النوع.
وميض كوني في مكان غير متوقع
بدأت القصة في نوفمبر 2025، حين رصد مسح فلكي يسمى مرفق زويكي للأجرام العابرة (Zwicky Transient Facility أو ZTF) زيادة غريبة في سطوع المجرة WISEA J014656.04-152214.7. التقط نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي الإشارة من بين نحو نصف مليون تغير ضوئي يرصدها المسح كل ليلة.
استمر الحدث، الذي سمي TDE 2025abcr، في الازدياد حتى أصبح في الأشعة فوق البنفسجية أشد سطوعاً من المجرة المحيطة به طوال أشهر. وعند الذروة، قدّر العلماء لمعانه بما يعادل نحو عشرة مليارات شمس.
لكن الموقع كان أهم من شدة الضوء. ظهر الوهج بعيداً جداً عن نواة المجرة، بينما تتركز غالبية الثقوب السوداء فائقة الكتلة المعروفة في مراكز المجرات.
حلل تلسكوب SOAR في تشيلي طيف الضوء، وأضاف مرصد نيل غيريلز سويفت التابع لناسا قياسات في نطاقات يصعب رصدها من سطح الأرض. وبجمع الأدلة، استبعد الفريق تفسيرات أخرى مثل بعض الانفجارات النجمية، ورجّح بثقة أن ما حدث هو تمزق نجمي بفعل المد الجذبي.
كيف كشف النجم جسماً لا يصدر الضوء؟
يحدث التمزق بفعل قوى المد (Tidal Disruption Event أو TDE) عندما يمر نجم قريباً جداً من ثقب أسود ضخم. تجذب الجاذبية الجانب الأقرب من النجم بقوة أكبر من الجانب البعيد، فيتمدد النجم ثم يتفكك.
يسقط جزء من الحطام نحو الثقب الأسود، ويسخن أثناء دورانه بسرعة حوله. ولا يضيء الثقب نفسه، بل تأتي الإشارة من المادة الساخنة المحيطة به. لذلك أدى النجم هنا دور مصباح مؤقت كشف جسماً تبلغ كتلته المقدرة نحو مليون مرة كتلة الشمس.
قاس مرصد Swift حرارة الإشعاع بنحو 30 ألف درجة مئوية. وساعد اجتماع الحرارة والسطوع والطيف والموقع على تثبيت تفسير الحدث.
كيف ابتعد ثقب بهذا الحجم عن قلب المجرة؟
تحتوي المجرات الكبيرة عادة على ثقب أسود فائق الكتلة في مركزها. وتتوقع المحاكاة وجود ثقوب أخرى بعيدة عن المركز بعد تصادم المجرات واندماجها، لكن العثور عليها صعب لأنها قد تظل ساكنة ولا تصدر إشعاعاً يمكن رصده.
يطرح الباحثون احتمالين. ربما كان الثقب في قلب مجرة قزمة بدأت تندمج في المجرة الأكبر، ثم تفرقت نجومها تدريجياً. وربما أدى اندماج أكثر تعقيداً بين عدة مجرات وثقوبها المركزية إلى دفع أحد الثقوب نحو الأطراف.
لا يثبت الرصد أياً من السيناريوهين. كما أن وصف الثقب بأنه «متجول» يشير إلى موقعه غير المعتاد، ولا يعني أن العلماء قاسوا حركته الحرة داخل المجرة بصورة مباشرة.
طريقة جديدة للبحث عن ثقوب مختبئة
قبل عام 2024، ظهرت جميع أحداث التمزق النجمي المؤكدة في مراكز المجرات. ثم اكتشف العلماء حدثاً على بعد نحو 2600 سنة ضوئية من مركز مجرته. أما الرصد الجديد فيمد المسافة إلى أكثر من 30 ألف سنة ضوئية، ويبرهن أن البحث لا ينبغي أن يقتصر على النواة اللامعة.
قد تساعد هذه الثقوب في قراءة تاريخ اندماج المجرات. فإذا كانت شائعة، يمكن أن تحتفظ بآثار المجرات الأصغر التي دخلت في بناء المجرات الكبيرة الحالية، وتوضح كيف نمت الثقوب السوداء معها عبر الزمن.
سيجمع مرصد فيرا روبن كميات هائلة من صور السماء المتكررة، ما يرفع فرصة التقاط الومضات القصيرة. وسيضيف تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي التابع لناسا مسحاً أعمق لمجرات أبعد. عندها قد تتحول الحالات المنفردة إلى عينة يمكن قياس خصائصها ومقارنتها.
قبل أن نبالغ في النتيجة
- هذه حالة واحدة، لذلك لا تكشف وحدها مدى شيوع الثقوب السوداء البعيدة عن مراكز المجرات.
- تاريخ اندماج الثقب تفسير محتمل تدعمه النماذج، وليس حدثاً شوهد مباشرة.
- تعتمد تقديرات الكتلة والحرارة والمسافة على القياسات والنمذجة الفلكية، وتحمل قدراً من عدم اليقين.
ماذا بعد؟
سيتابع العلماء خفوت الوهج، ويبحثون في أرشيف المسوحات والبيانات المقبلة عن أحداث مشابهة خارج مراكز المجرات. وقد تكشف عينة أكبر إن كانت هذه الثقوب تحتفظ بتجمع نجمي من مجرتها القديمة، أم تبقى وحدها بلا أثر مرئي.
الخلاصة أن الثقب الأسود الهادئ يستطيع الاختباء طويلاً، إلى أن تضع الجاذبية نجماً في طريقه. ومع توسيع البحث إلى أطراف المجرات، أصبح لدى الفلكيين أسلوب عملي لكشف مجموعة من الأجسام توقعتها النظريات ولم تكن التلسكوبات تعرف كيف تجدها.
المصادر والمراجع3 مصادر
المراجع الخارجية المستخدمة لدعم المعلومات الواردة في هذا المقال.
نشر بواسطة
مكتب نيو تقنية – الفضاء
فريق تحريري مؤسسي تابع لنيو تقنية