علماء يرسلون سرباً من الروبوتات تحت جليد غرينلاند... وما سيكتشفه قد يؤثر في الكوكب كله
تستعد بعثة علمية دولية لنشر غواصات ذاتية القيادة وطائرات مسيّرة ومستشعرات عند النقاط التي تلتقي فيها أنهار غرينلاند الجليدية بالمحيط الأطلسي. ستدخل الروبوتات مناطق شديدة الخطورة على البشر لجمع بيانات قد تحسن توقعات ارتفاع مستوى البحار واحتمال اضطراب أحد أهم التيارات المنظمة لمناخ الأرض.
يتجه أسطول من الروبوتات إلى واحدة من أخطر النقاط وأكثرها تأثيراً على كوكب الأرض: المنطقة الضيقة التي تلتقي فيها أنهار غرينلاند الجليدية العملاقة بمياه المحيط الآخذة في الاحترار. الهدف هو جمع قياسات عجزت السفن والأقمار الصناعية والبعثات البشرية عن الوصول إليها، بينما تحتاج إليها النماذج المناخية بصورة عاجلة.
تنطلق الرحلة العلمية التي تستمر ستة أسابيع على متن سفينة الأبحاث الملكية سير ديفيد أتينبورو في 16 يوليو 2026، بمشاركة نحو 80 عالماً وفرداً من الطاقم. وتأتي ضمن مشروع GIANT، الذي يدرس العلاقة بين فقدان جليد غرينلاند ونقاط التحول في المحيط الأطلسي.
منطقة شديدة الخطورة على الباحثين
عند نهايات المضايق البحرية في غرينلاند، ترتفع جدران جليدية هائلة قد تنكسر فجأة وتقذف كتلًا بحجم المنازل. وتحت السطح تختلط المياه الدافئة بالمياه العذبة والفقاعات والرواسب في دوامات عنيفة بجوار واجهة الجليد. وقد لا يتجاوز الحد الفاصل الذي تنتقل عنده حرارة المحيط إلى الجليد بضعة سنتيمترات، لكنه يسهم في تحديد سرعة تراجع الأنهار الجليدية.
يصعب وضع الباحثين أو الأجهزة التقليدية بالقرب من هذه البيئة من دون مخاطرة كبيرة. ولهذا كانت الدراسات السابقة تراقب غالباً جانباً واحداً من مسافة أكثر أماناً. أما المهمة الجديدة فتحاول مراقبة الجليد في الوقت نفسه من الجو وفوق السطح وتحته ومن داخل الغطاء الجليدي.
سرب الروبوتات
أشهر أفراد الأسطول هو «بوتي ماكبوتفيس» (Boaty McBoatface)، وهي غواصة ذاتية القيادة ستغوص إلى عمق قد يبلغ 1500 متر تحت خليط خطير من الجليد البحري والثلوج والجبال الجليدية المتكسرة. ستَرسم الغواصة الشكل المخفي للجليد وتقيس تأثير المياه المحيطة في معدل ذوبانه.
لن تعمل «بوتي» وحدها. ستستخدم طائرات بعيدة المدى راداراً يخترق الجليد لرسم تضاريسه وما يقع أسفله، بينما تقترب طائرات مسيّرة متينة من الواجهات غير المستقرة. وسيمسح قارب ذاتي القيادة الجليد باستخدام السونار مع تفادي الجبال الجليدية.
ستستكشف غواصات أصغر الأجزاء المغمورة من الواجهة الجليدية. ويحمل بعضها مستشعرات قادرة على تثبيت نفسها داخل الجليد على عمق يتراوح بين 50 و100 متر تحت مستوى البحر، لقياس الحرارة والاضطراب والذوبان لحظة بلحظة. كما ستتابع أدوات تشبه الرماح ومزودة بنظام تحديد المواقع حركة سطح الجليد، في حين تعبر مركبة نحيفة ثقباً محفوراً لاستكشاف المياه الموجودة أسفل الرف الجليدي.
لماذا يهم ذلك العالم كله؟
يحتوي الغطاء الجليدي في غرينلاند على كمية من المياه تكفي لرفع مستوى البحار عالمياً عدة أمتار إذا ذاب بالكامل. سيستغرق حدوث ذلك وقتاً طويلاً، لكن ذوبان جزء صغير منه قد يهدد المدن الساحلية والبنية التحتية ومصادر المياه العذبة حول العالم.
تبحث المهمة أيضاً في خطر آخر هو دوران انقلاب خط الزوال الأطلسي (AMOC)، وهو نظام هائل ينقل المياه الاستوائية الدافئة شمالاً ثم يعيد المياه الأكثر برودة وكثافة إلى الجنوب. وقد تؤدي الكميات الكبيرة من المياه العذبة القادمة من غرينلاند إلى تقليل كثافة مياه الشمال وإضعاف هذا الدوران.
لن يقتصر أثر اضطراب كبير في AMOC على أوروبا؛ فقد تتغير أحزمة الأمطار والرياح الموسمية في المناطق الاستوائية، بما يؤثر في الزراعة والأنظمة البيئية والأمن الغذائي. يتفق العلماء على وجود خطر، لكن توقيت نقطة التحول وحجمها لا يزالان محاطين بقدر كبير من عدم اليقين.
سد الفجوات في النماذج المناخية
لا تستطيع النماذج الحالية تمثيل جميع العمليات الصغيرة والعنيفة التي تحدث عند تماس الجليد والمحيط. فالفقاعات الهوائية القديمة التي تتحرر من الجليد الذائب قد تزيد الاضطراب وانتقال الحرارة. وعندما يتكرر تأثير صغير كهذا عبر مئات الأنهار الجليدية، فقد يغير التوقعات العالمية بصورة ملموسة.
ستساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الباحثين على دمج البيانات السابقة وتحديد المناطق الأكثر غموضاً واختيار المواقع التي ينبغي للروبوتات قياسها. وستدخل النتائج في نموذج النظام الأرضي البريطاني، كما ستدعم تطوير نظام إنذار مبكر للتغيرات الجليدية الخطيرة.
ما الذي لا تستطيع المهمة ضمانه؟
- لن تحدد الرحلة موعداً دقيقاً لانهيار تيار AMOC.
- لا تزال عدة أنظمة روبوتية تجريبية وقد تتعطل في الظروف القاسية.
- لا يمكن تعميم قياسات عدد محدود من المضايق على جميع أنهار غرينلاند الجليدية مباشرة.
- تعتمد نقاط التحول المناخية على عوامل متشابكة، وسيبقى جزء من عدم اليقين حتى بعد جمع بيانات أفضل.
لا يرسل العلماء الروبوتات تحت جليد غرينلاند لأنهم يعرفون أن كارثة وشيكة ستقع. بل يفعلون ذلك لأن إحدى أهم آليات مناخ الأرض لا تزال تحتوي على مساحات مجهولة وخطيرة. وقد تساعد اكتشافات هذا السرب العالم على التمييز بين تغير تدريجي وبين العلامات الأولى لتحول أكثر اضطراباً.
Sources and citations
Published by
NewTaqnia Editorial
Technology & innovation desk